أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
478
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
أقلد فيه أحدا ، فقد صلينا كثيرا ، وصمنا كثيرا ، واعتزلنا كثيرا ، وذكرنا كثيرا ، وقرأنا القرآن كثيرا ، واللّه ما عرفنا قلوبنا ، ولا ذقنا حلاوة المعاني ، حتى صحبنا الرجال أهل المعاني ، فأخرجونا من التعب إلى الراحة ، ومن التخليط إلى الصفا ، ومن الإنكار إلى المعرفة . فإن قلت : قد قال الحضرمي : قد انقطعت التربية ، وما بقي إلا الهمة والحال ، فعليكم بالكتاب والسنة . قلت : لم يقصد الحضرمي انقطاعها على الأبد ، وحاشا الحضرمي أن يتحكم على اللّه ويعجز قدرة اللّه ، وإنما أراد أن في زمانه مدعين كثيرين ، فحذّر أهل زمانه منهم ، ومعرفة الحضرمي وزروق رضي اللّه عنهما تنافي هذا القصد ، وعلى تقدير صدورها منهما فليسا بمعصومين ، فكل كلام يرد ويقبل إلا كلام صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم . وقد وجد بعد الحضرمي رجال كانوا من أهل التربية النبوية بالحال والمقام والهمة لا يمكن عدهم ، وهم موجودون في زماننا هذا ، مشهورون كنار على علم ، قد هدى اللّه على أيديهم خلقا كثيرا ، وخرج على أيديهم من الأولياء ما لا يعلمهم إلا من منّ عليهم بمعرفتهم . قال في لطائف المنن : إنما يكون الابتداء بولي دلك اللّه عليه ، وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه ، فطوى عنك شهود بشريته وعرفك وجود خصوصيته ، فألقيت إليه الفياد ، فسلك بك سبيل الرشاد ، يعرفك برعونات نفسك ودفائنها وكمائنها ودقائقها ويدلك على الجمع على اللّه ، ويعلمك الفرار مما سوى اللّه ، ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى اللّه ، يوقفك على إساءة نفسك ويعرفك بإحسان اللّه إليك فتفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب منها وعدم الركون إليها ، ويفيدك العلم بإحسان اللّه إليك الإقبال عليه ، والقيام بالشكر إليه ، والدوام على ممر الساعات بين يديه . قال : فإن قلت : فأين من هذا وصفه ؟ لقد دللتني على أغرب من عنقاء مغرب ، فاعلم أنه لا يعوزك وجدان الدالين ، وإنما يعوزك وجدان الصدق في طلبهم ، جد صدقا تجد مرشدا ، وتجد ذلك في كتاب اللّه قال تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [ النمل : 62 ] ، وقال : فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [ محمد : 21 ] ، فلو اضطررت إلى من يوصلك إلى اللّه اضطرار الظمآن إلى الماء والخائف إلى الأمن لوجدت ذلك أقرب إليك من وجود طلبك ، ولو اضطررت إلى اللّه اضطرار الأم لولدها إذا فقدته ، لوجدت الحق منك قريبا ولك مجيبا ، ولوجدت الوصول